فخر الدين الرازي

227

الأربعين في أصول الدين

وأما شبههم في نفى صفة القدرة . فمن وجهين : الشبهة الأولى : ان القدرة في الشاهد مختلفة . وهي مع اختلافها مشتركة في أنها لا تصلح لخلق الجسم . فهذا الحكم المشترك لا بد من تعليله بوصف مشترك . ولا مشترك بينهما الا كونها قدرا . وإذا كان كونها قدرا علة لأن لا تكون صالحة لخلق الجسم وجب في كل ما كان قدرة أن لا تكون صالحة لخلق الجسم . فلو كان اللّه تعالى قادرا بالقدرة ، لوجب أن لا يقدر على خلق الجسم ، واللازم محال فالملزوم مثله . قالوا : هذا الكلام لازم على أصول « الأشعرية » فإنهم قالوا : العرض والجوهر مشتركان في صحة الرؤية . فلا بد من استناد هذا الحكم المشترك إلى وصف مشترك . ولا مشترك يعقل بين الجوهر وبين العرض الا الوجود أو الحدوث . والحدوث لا يصلح لهذه العلة ، فبقى الوجود . واللّه تعالى موجود ، فوجب أن تصح رؤيته . فكذا نقول : القدرة في الشاهد مشتركة في أنها غير صالحة لخلق الجسم ، وهذا الحكم المشترك لا بد من تعليله بوصف مشترك ، والمشترك هاهنا هو كونها قدرا ، فوجب أن يكون كونها قدرا ، علة لهذا الامتناع . فوجب أن يحصل هذا الامتناع في كل ما كان قدرة . الشبهة الثانية : وهي ان القدرة في الشاهد ، مع اختلافها ، لا يصلح شيء منها لخلق الجسم ، فلو فرضنا قدرة في الغائب ، لكانت تلك القدرة اما أن تكون مثلا لهذه القدرة الموجودة في الشاهد ، أو مخالفة لها . فان كانت تلك القدرة مثلا لهذه القدرة في الشاهد ، ثم إن هذه القدرة لا تصلح لخلق الجسم ، فكذا تلك القدرة لا تصلح لخلق الجسم . فان كانت تلك القدرة مخالفة لهذه القدرة ، لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض . ولما كانت هذه القدرة مع ما بينا من المخالفة لا يصلح شيء منها لخلق الجسم ، فكذلك تلك القدرة الغائبة ، وجب أن لا تصلح لخلق الجسم .